عصر الجاهلية
قبل نزول الوحي الأول على محمد صلى الله عليه وسلم بزمن طويل، كان الناس يقصدون مكة تعظيمًا للكعبة. وكانوا يحجّون ويطوفون بالبيت ويحافظون على ممارسات ارتبطت بإبراهيم عليه السلام. غير أن العبادة حول الكعبة اختلطت بعبادة الأصنام. واستمر الحج، لكن تلبية قريش وكنانة تضمنت ذكر شريك جعلوه خاضعًا لسلطان الله.
وكانت في مكة أيضًا ترتيبات لإطعام الحجاج، ومجالس يجتمع فيها زعماء القبائل، وتجار يعهدون بأموالهم إلى غيرهم ليتّجروا بها. وإلى جانب هذه الأنشطة، وقعت مظالم وظهرت محاولات لمقاومتها. وتنتمي إلى هذا المحيط نفسه قصة تاجر حُبس عنه حقه، والحلف الذي عُقد لنصرته.

العبادة حول الكعبة
تربط إحدى الروايات دخول هبل إلى مكة بعمرو بن لحي. فقد رأى في رحلة إلى الشام قومًا يعبدون الأصنام، وزعموا أن أصنامهم تستجيب لطلب المطر والنصر. فطلب منهم صنمًا يحمله إلى بلده، فأعطوه هبلًا. وجاء به إلى مكة، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
وتصف رواية أخرى عادةً لدى الخارجين من مكة؛ إذ كانوا يحملون معهم حجرًا من الحرم تعظيمًا له، ويأخذونه إلى مواطنهم الجديدة، ثم يطوفون به كما كانوا يطوفون بالكعبة. ثم تصف الرواية تحوّلًا طرأ على ذلك: فأخذ الناس يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، وتركوا الدين الذي كانوا عليه من قبل.
وبقيت بعض الممارسات الموروثة؛ فاستمر الناس في تعظيم الكعبة والحج وتقديم القرابين. وظلت المناسك المرتبطة بإبراهيم عليه السلام قائمة إلى جانب إضافات دينية غيّرت طبيعتها. حتى تلبية الحج جمعت بين الإقرار بالله وذكر شريك جعلوه تحت سلطانه.
ممارسات دينية باطلة قبل الإسلام
وأُدخلت الأنعام أيضًا في هذه الممارسات. فكانت البحيرة ناقة يُخصَّص لبنها للأصنام، وكانت السائبة ناقة تُترك لآلهتهم وتُعفى من حمل الأثقال. وترد هذه التفسيرات في قول سعيد بن المسيب الوارد في صحيح البخاري، رقم 4623.
ويذمّ القرآن هذه القيود الدينية المبتدعة، ومنها تخصيص نصيب من الزروع والأنعام لما زعموه شركاء لله، والقول بتحريم بعض ما رزقهم الله. كما يذمّ قتل الأولاد. وتتناول هذه الأمور الآيات المشار إليها هنا: المائدة 5:103، والنحل 16:56 و16:116، والأنعام 6:136–140.
وعند بيان جهل العرب، وجّه ابن عباس رضي الله عنهما الأنظار إلى ما في سورة الأنعام من ذمّ قتل الأولاد سفهًا وتحريم ما رزق الله. وقد ورد قوله في صحيح البخاري، رقم 3524. ويربط هذا القول ذلك الجهل بأفعال محددة وادّعاءات دينية باطلة، لا بمجرد نقص المعلومات.
القيادة وخدمة الحجاج في مكة
جمع قصي بن كلاب قومه في مكة، وأسكن بطون قريش في أحياء مختلفة. وشملت سلطته ولاية الكعبة، وشؤون الحجاج، والندوة، واللواء.
وكانت دار الندوة مجلسًا للزعماء، يجتمعون فيها لمناقشة الخلافات المهمة واتخاذ القرارات بشأنها. وكانت تُعقد فيها أيضًا عقود الزواج وتُدار شؤون الجماعة الأخرى. غير أن قريشًا، حين استعادت ولاية الحرم، أبقت على ممارسات موروثة من خزاعة، منها تقديم القرابين للأصنام والاستعانة بها.
وكان توفير حاجات الحجاج مسؤولية أخرى. فقد حثّ قصي قريشًا على تقديم الطعام والشراب لزوّار بيت الله. وكان أفراد القبيلة يساهمون من أموالهم، وتُستخدم هذه الأموال لإطعام الحجاج أثناء إقامتهم بمنى.
التجارة والأمانة
كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تاجرة ذات مال، تستعين برجال يتّجرون بمالها على أساس المشاركة في الربح. وتقدّم تجارتها مثالًا محددًا للطريقة التي كانت تُمارس بها التجارة في مكة قبل البعثة.
وبعد أن بلغ خديجة رضي الله عنها ما عُرف به محمد صلى الله عليه وسلم من الصدق والأمانة وحسن الخلق، عرضت عليه أن يخرج في رحلة تجارية إلى الشام، فقبل عرضها. وهكذا تلتقي التجارة والسمعة الشخصية في واقعة من حياته صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي.
القتال في شهر حرام
لم تمنع حرمة بعض الأوقات وقوع القتال دائمًا. فقد نشبت الحرب المعروفة بحرب الفجار بين كنانة وقيس عيلان. وارتبط اسمها بالقتال في شهر حرام كان القتال فيه ممنوعًا.
وتختلف الروايات في عمر محمد صلى الله عليه وسلم آنذاك؛ فتذكر إحداها أنه كان ابن عشرين سنة، وتذكر أخرى أنه كان ابن أربع عشرة أو خمس عشرة سنة. وهذه الأعمار واردة في روايات مختلفة، فلا ينبغي دمجها للوصول إلى عمر واحد مقطوع به.
شكوى تاجر وحلف الفضول
قدم تاجر من زبيد إلى مكة ببضاعة، فحبس العاص بن وائل عنه حقه. واستنصر التاجر بحلفاء العاص، لكنهم أبوا التدخل. ثم جهر بشكواه بالقرب من الكعبة.
واجتمع رجال من بني هاشم وبني زهرة وبني تيم في دار عبد الله بن جدعان. واتفقوا على أن يقفوا مع المظلوم في مواجهة الظالم حتى يُردّ إليه حقه. ثم استردوا بضاعة التاجر وردّوها إليه. وعُرف هذا الاتفاق باسم حلف الفضول.
وتذكر رواية حضور محمد صلى الله عليه وسلم حلفًا في دار ابن جدعان، وإبداءه الاستعداد للإجابة إلى مثل هذه الدعوة حتى بعد الإسلام. وترد رواية موافقة لهذا المعنى في السنن الكبرى للبيهقي، رقم 12719 بحسب الترقيم المُراجَع. وهذا المرجع يحدّد الرواية، ولا يُقدَّم هنا بوصفه حكمًا مستقلًّا على إسنادها.
الذين رفضوا عبادة الأصنام
لم يقبل الجميع عبادة الأصنام السائدة من حولهم. فقد تنصّر ورقة بن نوفل ودرس كتب النصرانية، ورفض زيد بن عمرو بن نفيل الأصنام وبحث عن دين إبراهيم عليه السلام.
وكان زيد يقرّ بوحدانية الله وينكر ذبح الأنعام بأسماء آلهة أخرى. وقد جرّ عليه موقفه معارضة، شملت محاولات لمنعه من دخول مكة.
وامتد رفضه للممارسات السائدة إلى قتل البنات. فقد روت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن زيدًا كان يعرض على الأب الذي يريد قتل ابنته أن يتحمل نفقة تربيتها. وكان يأخذ الفتاة فيكفلها، فإذا كبرت خيّر أباها بين أن يستردّها أو يترك له الاستمرار في الإنفاق عليها. وقد ورد خبر أسماء رضي الله عنها في صحيح البخاري، رقم 3828.
تجمع هذه الأخبار بين عبادة الأصنام والقيود الدينية المبتدعة والظلم من جهة، وخدمة الحجاج والتجارة ونصرة المظلوم ورفض الأصنام من جهة أخرى. وتقدّم صورة عن مكة وما حولها قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.
