المقدمة

الله واحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في ملكه للكون وتدبيره ولا في خلقه ولا في استحقاقه العبادة. خلق كل شيء، وكل شيء خاضع لسلطانه وتدبيره. والإيمان بهذه الحقيقة العظيمة يقتضي من الإنسان أن يخلص صلاته ونسكه وعبادته وحياته كلها لله وحده، ذي الجلال.

ويعرض القرآن هذا الاعتقاد بوصفه حقيقةً يعيشها الإنسان ويعمل بمقتضاها، فتوجّه حياته كلها.

الله لا شريك له

النص القرآني والمعنى الميسّر

سورة الأنعام — الآيتان 162 و163

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

المعنى الميسّر — قل إن صلاتي وما أتقرّب به من ذبح، وحياتي وموتي، كل ذلك لله وحده، رب العالمين.

لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ

المعنى الميسّر — لا شريك لله. وقد أمرني ربي بهذا الإخلاص، وأنا أول المنقادين لله من هذه الأمة.

سورة الفرقان — الآية 2

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا

المعنى الميسّر — لله وحده ملك السماوات والأرض. لم يتخذ ولدًا، وليس له شريك في ملكه. خلق كل شيء وقدّره على ما تقتضيه حكمته.

بيان الآيات

إفراد الله بالعبادة. تعلن الآية 162 من سورة الأنعام إخلاص الصلاة والنسك والحياة والموت لله. وهذا يبيّن أن الإقرار بالتوحيد باللسان له مقتضًى يشمل جوانب حياة الإنسان كلها.

نفي الشريك عن الله والانقياد له. تصرّح الآية 163 بأن الله لا شريك له. والمقصود بقوله «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أول المنقادين لله في أمته. وكان الأنبياء عليهم السلام أسبق الناس في أممهم إلى توحيد الله وطاعته.

سلطان الله المطلق على الكون. تجمع الآية الثانية من سورة الفرقان بين ملك الله، وتنزّهه عن اتخاذ الولد، وانتفاء الشريك في ملكه، وتقديره كل مخلوق تقديرًا دقيقًا. فتفرّده يتعلق بالعبادة، كما يتعلق بخلق الكون كله وتدبيره.

في ضوء تفسير ابن كثير

يذكر سياق سورة الأنعام قبل هاتين الآيتين الدين القويم وملّة إبراهيم عليه السلام. ويبيّن ابن كثير أن الله أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بإعلان هذه السبيل الخالصة من الشرك، وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا. وفي هذا السياق جاء الإعلان بأن الصلاة والنسك لله وحده. وهكذا يتضح ارتباط الاعتقاد بالعبادة في هذه الآيات.

ويوضّح ابن كثير أن هذا الإعلان يبيّن الفرق بين هذه السبيل وعمل من عبدوا غير الله وذبحوا له. فقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن أن صلاته لله وأن عبادته خالصة له وحده لا شريك له. ويؤكد التفسير إخلاص القلب والنية لله.

وقوله «لَا شَرِيكَ لَهُ» أصل هذا الإخلاص. فلا يستحق العبادة أحد مع الله، وما للمخلوق من شرف أو عظمة لا يجعله شريكًا لله في ألوهيته. وتدعو الآيات العبد إلى كمال الانقياد لربه وإخلاص العبادة له وحده.

وفي تفسير قوله «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» ينقل ابن كثير عن قتادة أن المراد أول المسلمين من هذه الأمة. ويبيّن أن الأنبياء السابقين عليهم السلام دعوا كذلك إلى عبادة الله وحده من غير إشراك به. فالأولية المذكورة تتعلق بأمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الأنبياء قبله عليهم السلام منقادين لله أيضًا.

وفي تفسير سورة الفرقان، يبيّن ابن كثير أن الله منزّه عن الولد والشريك. وكل ما سواه مخلوق خاضع له. فهو وحده الخالق والرب والمالك والمستحق للعبادة. وتتضح بذلك صلة الخلق بخالقهم. فقد خلق الله كل شيء، وكل ما خلقه تحت سلطانه.

وتتكامل دلالة الموضعين عند قراءتهما معًا. فسورة الفرقان تبيّن أن الله لا شريك له في خلق الكون وملكه، وسورة الأنعام تبيّن أن عبادة الإنسان ينبغي أن تُخلَص لهذا الرب الذي لا شريك له. فالاعتقاد الصحيح في الله يوجّه عمل العبد.

مقتضى التوحيد في العمل والحديث النبوي

التوحيد أساس العمل والعبادة. ومعنى حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عمّا إذا كان يعلم حق الله على عباده. فأجاب معاذ بأن الله ورسوله أعلم. فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن حق الله عليهم أن يعبدوه وحده من غير أن يشركوا به شيئًا.

ثم سأله عن حق العباد على الله. فأجاب معاذ رضي الله عنه مرة أخرى بأن الله ورسوله أعلم. فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا يعذّبهم إذا قاموا بذلك.

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، حديث 7373

يصل هذا الحديث الاعتقاد بالعمل اليومي. فمن صلّى أو ذبح نسكًا فليستحضر أن خضوعه وتعبّده لله الواحد وحده.

تأملات

معرفة قدر النفس. الإقرار بأن الله لا شريك له يحفظ الإنسان من الكبر. فحين يدرك أن الملك والسلطان على الحقيقة لله، يعرف حدوده ويعلم أنه عبد خاضع لربه.

إخلاص النية. يدعو التأمل في قوله «صَلَاتِي وَنُسُكِي» الإنسان إلى أن يسأل نفسه عن غاية تعبّده. أأطلب رضا ربي أم أطلب رضا خلقه؟

شمول الطاعة للحياة كلها. يذكّرنا قوله «وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي» بأن طاعة الله تشمل حياتنا كلها. وينبغي أن تهتدي بطاعته أولوياتنا وقراراتنا وسائر شؤوننا.

منزلة المخلوق. يجتمع فهم توحيد الله مع مراعاة حقوق الناس وتقدير إحسانهم. فمحبة الخلق واحترامهم وشكرهم أمور لها موضعها، والألوهية واستحقاق العبادة للخالق وحده.

الصلة بين الاعتقاد والعبادة

يرتبط الاعتقاد بالعبادة اليومية. فمن صلّى أو ذبح نسكًا، فليستحضر لمن يخضع ولمن يقدّم عبادته.

وقد بيّن تفسير ابن كثير أن هذه كانت أيضًا دعوة الأنبياء السابقين عليهم السلام. فالقرآن يهدي الناس إلى ما اجتمع عليه الأنبياء عليهم السلام من إخلاص العبادة لله وحده.

ويحتاج الإنسان اليوم كذلك إلى مراجعة اعتقاده والنية التي يقصدها بعبادته. هل أخلص عبادتي لله؟ هل أعدّ أحدًا من الخلق شريكًا لله في ألوهيته؟ وهل تسير حياتي وفق إقراري بأن الله لا شريك له؟

وليكن أول ما نقصده بهذه الأسئلة إصلاح أنفسنا. فلنراجع بها إيماننا وأعمالنا، ولنتجنّب التسرّع في الحكم على الآخرين.

الدعاء

الحمد لله الذي وسع ملكه السماوات والأرض، ولا شريك له. يا رب، خلقت كل شيء فقدّرته تقديرًا.

اللهم إنك دللتنا على الطريق الواضح لعبادتك، فاجعل صلاتنا ونسكنا ومحْيانا ومماتنا خالصةً لك وحدك. واجعلنا صادقين فيما نقرّ به بألسنتنا، مخلصين لك في عبادتنا.

اللهم ثبّت اليقين بوحدانيتك في قلوبنا، واحفظنا من كل شرك ظاهر وخفي، ووفّقنا إلى أن نسير في حياتنا على ما يرضيك. آمين.

Leave a Reply